مجد الدين ابن الأثير

450

المختار من مناقب الأخيار

بغداد قال الجنيد بن محمد : كان أبو شعيب البراثيّ أوّل من سكن براثا « 1 » في كوخ يتعبّد فيه ، فمرّت بكوخه جارية من بنات الكبار من أبناء الدّنيا كانت ربّيت في قصور الملوك ، فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه ، فصارت كالأسير له ، فعزمت على التجرّد من الدّنيا والاتّصال بأبي شعيب ، فجاءت إليه ، وقالت : أريد أن أكون لك خادمة . فقال لها : إن أردت ذلك فغيّري من هيئتك ، وتجرّدي ممّا أنت فيه حتى تصلحي لما أردت . فتجرّدت عن كلّ ما تملكه ، ولبست لبسة النّسّاك وحضرته فتزوّجها . فلمّا دخلت الكوخ رأت قطعة خصّاف « 2 » كان يجلس عليها أبو شعيب تقيه من النّدى . فقالت : ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك ؛ لأنّي سمعتك تقول : إنّ الأرض تقول لابن آدم : تجعل اليوم بيني وبينك حجابا ، وأنت غدا في بطني ؟ فما كنت لأجعل بيني وبينها حجابا . فأخذ أبو شعيب الخصّاف فرمى بها . فمكثت معه سنين كثيرة يتعبّدان أحسن عبادة ، حتى توفّيا على ذلك متعاونين . رحمة اللّه عليهما . * * * وقال نوح الأسود : كانت امرأة تأتي أبا عبد اللّه البراثيّ فتجلس تسمع كلامه ، ولا تكاد تتكلّم ، ولا تسأل عن شيء . فقلت لها ذات يوم : لا أراك - رحمك اللّه - تكلّمين ولا تسألين عن شيء ؟ ! فقالت : قليل الكلام خير من

--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم ( 4 ) ص 240 من هذا الجزء . ( 2 ) الخصّاف : حصير من خوص ( ورق النخيل ) . معجم متن اللغة ( خصف ) .